تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٤ - فصل في الإشارة إلى كون نار الآخرة ذات حقائق متخالفة
فلم تسقني، و مرضت فلم تعدني»
و هذا أعظم نزول الحقّ، فلذلك تجبّرت على الجبابرة و قصمت المتكبّرين و جميع ما تخلق فيها من الآلام التي يجدها الداخلون فمن صفة الغضب الإلهي، و لا يكون ذلك إلّا عند دخول الخلق فيها، قال اللّه تعالى:
وَ لا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى [٢٠/ ٨١] فان الغضب هاهنا هو عين الألم.
و قال بعضهم [١]: «و جميع ما تفعله النار بالكفّار من باب شكر المنعم و إنعامه، حيث أنعم عليها بأنواع الوقود و الحطب، فما تعرف منه سبحانه إلّا النعمة المطلقة التي لا يشوبها ما يقابلها، و الناس غالطون في شأن خلقها»- و سنزيدك بيانا إن شاء اللّه تعالى.
فصل في الإشارة إلى كون نار الآخرة ذات حقائق متخالفة
قال في الكشاف [٢]: «فإن قلت: أنار الجحيم كلّها موقدة بالناس و الحجارة أم هي نيران شتّى منها [نار] بهذه الصفة؟
قلت: بل هي نيران شتّى: منها نار توقد بالناس و الحجارة، يدلّ على ذلك تنكيرها في قوله، قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً [٦٦/ ٦] فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى [٩٢/ ١٤] و لعلّ لكفار الجنّ و شياطينهم نارا وقودها الجنّ و الشياطين، كما إنّ لكفرة الإنس نارا وقودها هم، جزاء لكلّ جنس بما يشاكله من العذاب- انتهى- أقول: قد تكلّم بكلام حسن في بابه يشبه كلام أهل الكشوف.
و كأنّه مما أنطق اللّه بالحقّ لسانه، و أجرى على وفقه بيانه، فإن التحقيق إنّ الملذّ و الموذي لكلّ جنس هو ما يجانسه و يجانس آلة إدراكه، فللبصر من باب المبصرات،
[١] الفتوحات المكية: الباب السابق: ١/ ٢٩٨.
[٢] الكشاف: ١/ ١٩٥.